^الى الاعلى

foto1 foto2 foto3 foto4 foto5


تقييم المستخدم:  / 23
سيئجيد 

 وأخيراً!.. دخلت عقود التراخيص مرحلة التنفيذ وباشرت الشركات المعنية أعمالها في إدارة وتطوير الحقول بعد أن أثارت ولازالت زوبعة من الاستفسارات والتساؤلات وتضمنت اتهامات وتهكمات خطيرة شغلت أجهزة الإعلام المحلية والعالمية لتنقسم الآراء المتجاورة إلى معسكرين: الأول يرى في التراخيص رجوعاً عما حققه العراق في مجال الصناعة

 النفطية وبيعاً للثروة النفطية وعودة لهيمنة الدول العظمى على مقدرات البلاد. والمعسكر الثاني يرى فيها مصلحة وطنية عظيمة وبوابة لدخول المستقبل المطرز بأجمل ورود الوعود والعيش الرغيد والازدهار بعد عقود الحروب والتخريب الذي لم يعد العراق قادراً لوحده على معالجة آثارها ونتائجها، والحقيقة أن الصراع بين المعسكرين لم يخمد أواره منذ أوائل ستينيات القرن الماضي حين مارس المرحوم عبد الكريم قاسم الضغط على الشركات النفطية العاملة في العراق لتوسيع أعمالها وزيادة رقعة الاستثمار في الحقول الحاوية للنفط المعروفة بضخامتها وغزارة النفط فيها. بل وانعكس هذا الصراع على مجمل الأحداث والتوازنات السياسية في المنطقة وبرز النفط كقاسم مشترك لاهتمامات ومساعي وسياسات جميع دول العالم.

  وبقدر تعلق الأمر بالعراق، فإن النفط يفرض حقيقته الحاسمة، ليس فقط كمفتاح رئيسي وأوحد لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية يحكم كونه المصدر الوحيد للعملة الأجنبية وبوابة دخول التقنيات والمبادئ الإدارية الحديثة فحسب، بل وإن هذا العامل – النفط – كان أحد الأسباب المباشرة في بقاء العراق يراوح في مكانه من الأبنية الاجتماعية والاقتصادية، ويؤكد ذلك الملاحظات التالية:

* لماذا لم تستجب الشركات النفطية لطلب العراق قبل صدور قانون رقم 80، بتوسيع نطاق إنتاج النفط علماً أن تلك المطالب لم تكن بتأميم النفط أو أشياء من هذا القبيل.

* لماذا بقي العراق بلداً منتجاً للنفط ولم تتوسع الصناعات المرتبطة باستثناء عدد محدود من المصافي المحلية التي لم يجر تحديثها وتوسيعها منذ عقود طويلة.

إن الجواب على هذين السؤالين وعشرات الأسئلة الأخرى المماثلة يكمن في أن الشركات بما  تملكه من مواقف موحدة وقوة عسكرية ومالية هائلة، ومدفوعة بتجربة تأميم النفط في إيران عام 1951، قد غيرت سياستها الاستثمارية في المنطقة ووضعت العراق ضمن تصنيفات الدول التي تتناسب وهذا التوجه وكان هذا الأمر كافياً لزيادة اعتماد العراق على مدخولاته البسيطة من إنتاج وبيع النفط، وتضاؤل قدرته أمام تحديات العصر وزيادة السكان فيه ولتأتي الحروب ومغامرات النظام السابق على كل البيئة الاقتصادية والإدارية وتحجيم قدرته على تحقيق التنمية والتقدم.

ماذا نريد من النفط والتراخيص في المرحلة القادمة ؟

لقد بدأ في خمسينيات القرن الماضي توجه نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بتوظيف العائدات النفطية وكان إنشاء مجلس الإعمار في عام 1956 اللبنة الأولى في هذا المنحى حيث تم وضع الأسس والمخططات الأساسية للعديد من المشاريع الإروائية والصناعية والتعليمية وتخصيص عائدات النفط لتغطية هذه المشاريع ودون المساس بإيرادات الدولة الأخرى، من الضرائب والجمارك وغيرها، إلا أن قيام ثورة 14 تموز وما تلاها من أحداث أضرّ بهذه المشاريع، بل وتحولت كل إيرادات الدولة العراقية النفطية للإنفاق على الأبنية العسكرية وغيرها، وبالمقابل انحسرت إمكانات العراق الزراعية والخدمية بصورة تدريجية إلى مستويات خطيرة عقدّتها باستمرار الحروب المتكررة وزيادة أعداد السكان إلى أكثر من أربعة إضعاف عما كانت عليه في الفترة ما بعد ثورة 14 تموز.

والآن يأتي السؤال المهم ضمن هذا الإطار .. هل تستطيع التراخيص بتركيبتها القانونية والفنية أن تقدم الدعم الحقيقي لعملية التنمية في العراق، خصوصاً بعد انهدام الأبنية التحتية في البلاد والتعويضات الضخمة التي فرضت على البلاد وارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية الخطيرة التي تشهدها المرحلة؟.

إن مراقبة الأوضاع السياسية التي تجري في الساحة المحلية، والتي بلغت ذروتها في الحروب المتكررة التي خاضتها القوى العظمى في العالم منذ بداية الألفية الثالثة، تشير بوضوح إلى تحديات من نوع آخر ولعل من أهمها:

1- إن هذه الحروب (في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا، وربما غيرها، قد جاءت تحت ذرائع إنسانية، خلاصتها وجود دكتاتور يبالغ في سفك الدماء والقهر وإثارة الحروب والنعرات العنصرية، وهي بدون أدنى شك مبررات وذرائع مقبولة لدى شعوب المنطقة والعالم، إلا أن هناك مبررات أخرى لدى الدول التي شنت هذه الحروب، وهي أسباب استراتيجية ربما كان أهمها إعادة تطبيق نظام عالمي جديد في التجارة والمال والسياسة، وإلاّ لماذا تم السكوت عن جرائم هؤلاء الحكام فترات طويلة امتدت عقوداً مريرة عانت منها هذه الشعوب شتى أنواع الويلات والتخلف.

2- إن تطورات الوضع الاقتصادي في العالم والتي يقف في ذروتها أزمة الديون الحكومية الأمريكية والمشاكل التي تعاني منها منطقة اليورو، تؤكد بما لا يترك مجالا للشك، إن هذه الحروب جاءت في فترات مشاكل اقتصادية لدى الدول ذات العلاقة، منها إيطاليا مثلاً توشك أن تنهار اقتصادياً بعد اليونان وأسبانيا.

3- إن الحاجة للنفط ستشهد زيادة مضطردة خلال العقود القادمة؛ وذلك بسبب زيادة الطلب على الطاقة.

والآن وفي هذه الملاحظات وعلى أرضية الواقع الذي تحطمت فيه معظم الأبنية الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية في العراق، هل تستطيع الثروة النفطية وإدارتها بالتراخيص أن تستجيب للحاجة الأساسية في العراق وتقدم نموذجاً اقتصادياً تتحقق من خلاله إعادة البناء وتحقيق التنمية في فترة معقولة من الزمن؟

إن تحقق هذا الهدف المشروع يحتاج إلى توافر جهود كبيرة، والمزيد من عمليات التخطيط والبرمجة وتفعيل الطاقات الوطنية المتاحة.